Masdar News

التعليم.. ركيزة أساسية لتمكين المرأة

31 أغسطس 2020

 بقلم: الدكتورة لمياء نواف فواز، المدير التنفيذي لإدارة الهوية المؤسسية والمبادرات الاستراتيجية في شركة "مصدر"

 مع بدء الدول في جميع أنحاء العالم تخفيف القيود التي فرضتها لاحتواء انتشار فيروس (كوفيد- 19)، فإنها باتت تواجه تحدياً جديداً يتمثل في إعادة إنعاش اقتصاداتها وتنمية مجتمعاتها، في محاولة لإعادة الحياة إلى طبيعتها وما كانت عليه قبل انتشار هذا الوباء.

وبطبيعة الحال فإن النساء والفتيات في أجزاء كثيرة من العالم، اللواتي كنّ يناضلن قبل الجائحة في سبيل تحقيق المساواة والحصول على حقوقهن الأساسية، أصبحن يجدن صعوبات إضافية للوصول إلى هذه الأهداف في ظل التركيز على مكافحة الوباء العالمي.

يعد تحقيق التكافؤ بين الجنسين أحد أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، مع الإشارة إلى أن هذه المساواة ليست حقاً أساسياً من حقوق الإنسان وحسب، ولكنها تمثل ضرورة لبناء عالم يسوده السلام والازدهار والاستدامة.

ورغم ذلك، فقد أدت جائحة (كوفيد- 19) إلى تعميق أوجه عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية والصحية الموجودة من قبل، والتي تواجهها النساء بالفعل في جميع أنحاء العالم، وذلك وفقاً لتقرير حديث صادر عن الأمم المتحدة. ويشير التقرير، الذي تناول العديد من المعطيات، إلى أن النساء والفتيات في سوق العمل، يكسبن دخلاً أقل، ويدخرن بشكل أقل، ويعملن في وظائف أقل استقراراً، ويتعين عليهن القيام بأعمال رعاية غير مدفوعة الأجر أكثر من الرجال.

وقد أدى انتشار هذا الوباء أيضاً إلى تسليط الضوء على قضايا أعمق، لعل أبرزها الحاجة إلى مزيد من العمل لدعم تعليم وتمكين ومشاركة الشابات في مختلف المجالات. حيث يمكن لهذه الفئة المساهمة الفاعلة في قيادة عملية التغيير نحو عالم أكثر استدامة في حال أتيحت لهن الفرصة وتم تزويدهن بالمهارات والموارد المناسبة.

ومما يدعو للتفاؤل، أننا نشهد التحاق أعداد متزايدة من الفتيات بالمدارس في مراحل التعليم الأولى. ورغم ذلك، لا تزال 62 مليون فتاة محرومة من التعليم. ففي منطقة وسط أفريقيا وحدها، هناك نحو 28 مليون فتاة غير قادرات على الالتحاق بمراحل التعليم الأساسي.

وتواجه الفتيات اللواتي ينشأن في مجتمعات فقيرة عدداً من التحديات الاستثنائية، والتي تؤثر جميعها على قدرتهن على الالتحاق بالمدرسة ومواصلة التعليم في مراحله الإعدادية والثانوية. وتشمل هذه التحديات الفقر، والأعمال المنزلية، والبحث عن فرص عمل لإعالة أسرهن. ففي هذه الحالات، يصبح الذهاب إلى المدرسة مسؤولية إضافية لا تستطيع العديد من هؤلاء الفتيات تحملها.

ولكن ماذا لو كان التعليم هو الحل للعديد من هذه التحديات؟

تصف مبادرة "الحق في التعليم"، وهي منظمة عالمية لحقوق الإنسان، التعليم بأنه "حق ذو تأثير مضاعف"، إذ يمثل عامل تمكين للنساء والفتيات للاستفادة من حقوقهن وممارستها في المجالات الرئيسية، والتي تشمل العمل والتملك والسياسة والعدالة والتحرر من العنف والصحة.

ويوفر التعليم المتوازن والمتواصل أيضاً وسيلة تمكّن الفتيات من الاعتماد على الذات. وتقدّر مجموعة البنك الدولي بأن الأشخاص الذين يقضون سنة واحدة فقط في التعليم الثانوي قد يحصلون على أجور أعلى في سوق العمل لاحقاً، بزيادة قد تصل إلى 25 في المائة.

إن تعليم الفتيات لن يؤدي فقط إلى زيادة الدخل الشخصي، بل يمكنه أيضاً تحسين الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. فحسب توقعات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، فإن زيادة أعداد الفتيات اليافعات المتعلمات بنسبة 10 بالمئة فقط من شأنه المساهمة في زيادة الناتج المحلي الإجمالي للدولة بمعدل 3 بالمئة.  

إن ضمان توفير تعليم جيد للفتيات خلال سنوات النشأة وتكوين الشخصية يمكن أن يسهم في خفض معدلات الفقر وتوفير فرص اقتصادية أكبر، بالإضافة إلى سد الفجوة بين الجنسين.

ويقدر "مجلس العلاقات الخارجية" أن الفجوة الحاصلة بين الجنسين في مجال التعليم تكلّف العالم ما بين 15 إلى 30 تريليون دولار أمريكي فيما يخص رأس المال البشري.

وعلى مستوى دولة الإمارات، فقد شهدنا بشكل ملموس مدى تأثير بناء أجيال من الفتيات المتعلمات اللواتي يتمتعن بالكفاءات العالية على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. حيث أن أكثر من نصف الطلبة الذين يدرسون في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات هم من الإناث. ونتيجة لذلك، نرى ارتفاع أعداد النساء اللواتي يعملن في القطاعات ذات الصلة، حيث تزيد نسبتهن عن 60 في المئة. ومن خلال هذه الإحصاءات الواعدة، ندرك مدى أهمية التعليم ودوره الكبير في رفد هذه القطاعات بالكفاءات اللازمة.

وفي ظل التغيرات المتسارعة التي تطرأ على عالمنا، نجد أنفسنا في مواجهة تحديين يتمثلان في ضمان توفير التعليم الأساسي لملايين الفتيات، بالإضافة إلى العمل على سد الفجوة بين الجنسين في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

ولا شك أن الوظائف في المستقبل ستتطلب مجموعة جديدة من المهارات، والتي تشمل الإلمام بالمهارات الرقمية وبمجالات ريادة الأعمال والابتكار والذكاء الاصطناعي. ومن شأن ضمان فرص متكافئة للفتيات للتعلم والتفوق في هذه المجالات، أن يؤدي إلى وجود قوى عاملة مؤهلة يمكنها لعب دور فاعل في الاقتصاد الرقمي الجديد.

وفي هذا السياق، ركّزت منصة "السيدات للاستدامة والبيئة والطاقة المتجددة" خلال ملتقاها السنوي الذي عقد في شهر يناير الماضي ضمن فعاليات أسبوع أبوظبي للاستدامة، على استكشاف دور الرقمنة والذكاء الاصطناعي في تمكين المرأة.

واستناداً إلى ما رشح عن الملتقى من نتائج، تم نشر تقرير بعنوان "الذكاء الاصطناعي والمساواة بين الجنسين من منظور منصة السيدات للاستدامة والبيئة والطاقة المتجددة"، حيث سلّط الضوء على النقاشات الرئيسية التي دارت خلال الملتقى والأفكار الملهمة التي قدمها الحضور من الشخصيات البارزة والمؤثرة، بالإضافة إلى استعراض توجهات الدولة في هذا السياق، كما تضمن التقرير 10 توصيات ضرورية لتحقيق التكافؤ بين الجنسين.

وتتضمن بعض هذه النتائج ضرورة توفير دعم أفضل في مجالات التعليم والتأثير الأسري والتوجيه والتدريب وفرص التواصل، بالإضافة إلى تعزيز تكافؤ الفرص.

ويعتبر التعليم الركيزة الأساسية والحل في الوقت نفسه لكثير من هذه التحديات. وكما قال الأب المؤسس الشيخ زايد، طيّب الله ثراه فإن"المرأة هي نصف المجتمع، وأي بلد يسعى إلى التنمية لا ينبغي أن يتركها في فقر أو أمية. "

إنها مسؤوليتنا جميعاً، فلكلّ منّا دور يقوم به من موقعه لضمان حصول الفتيات على التعليم الذي يمكنهن من امتلاك الأدوات للتفوق والنجاح. فيجب العمل على تمكين المرأة ليكون بمقدورها اكتساب المعارف وتحقيق الاكتفاء الذاتي ومساعدتها على إدراك أهمية وطبيعة دورها باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

إن مجتمعات العالم مشغولة في الوقت الراهن بتحقيق التعافي من جائحة "كوفيد-19" وما تمثله من تحدي كبير غير مسبوق. ولكنها إذا ما أرادت النجاح في هذه المهمة، فعليها تفادي تجاهل المرأة التي تمثل نصف المجتمع وعدم إشراكها في هذه الجهود.

-انتهى-